صديق الحسيني القنوجي البخاري

128

فتح البيان في مقاصد القرآن

يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ أي حال كونها واضحات ظاهرات قرأ الجمهور على صيغة اسم المفعول أي بينها اللّه وأوضحها ، وقرىء على صيغة اسم الفاعل ، أي الآيات تبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام ، ورجح الأول أبو حاتم وأبو عبيدة ، لقوله : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ [ آل عمران : 118 ] لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد مجيء الذكر والرسول مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ اللام متعلقة بيتلو أي ليخرج الرسول الذي يتلو الآيات إياهم من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية ، أو من الجهل إلى العلم ، أو من الكفر إلى الإيمان ، أو متعلقة بأنزل فيكون المخرج هو اللّه سبحانه . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً أي يجمع بين التصديق والعمل بما فرضه اللّه عليه مع اجتناب ما نهاه عنه يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قرأ الجمهور يدخله بالتحتية وقرىء بالنون وهي سبعية وعليها ففي الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم وجمع الضمير في قوله : خالِدِينَ فِيها أَبَداً باعتبار معنى « من » ووحدة في يُدْخِلْهُ باعتبار لفظها قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً أي وسع له رزقه في الجنة التي لا ينقطع نعيمها ، وقيل : يرزقون طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة ، وقال القشيري : الحسن ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه ، ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه ، كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل بها من غير نقصان ، ولا زيادة لا يقدر على الاستمرار عليها ، ذكره الخطيب . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه ، على هذا المنوال الغريب البديع سَبْعَ سَماواتٍ يعني بعضها فوق بعض ، قال النسفي : أجمع المفسرون على أن السماوات سبع ، وقال الخطيب : لا خلاف فيه لحديث الإسراء وغيره وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ في العدد يعني سبعا ، قرأ الجمهور مثلهن بالنصب على أنه عطف على سبع سماوات ، قاله الزمخشري ، أو على تقدير فعل أي وخلق من الأرض مثلهن ، وقرىء بالرفع على الابتداء ، والجار والمجرور قبله خبره ، قيل : ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية ، واختلف الناس في المثلية وكيفية طبقات الأرض على قولين . أحدهما : وهو قول الجمهور : إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض ، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض ، وفي كل أرض سكان من خلق اللّه ، وقال الضحاك : إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق ، بخلاف السماوات ، قال القرطبي : والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه في البخاري والترمذي وغيرهما . وفي صحيح مسلم : عن سعيد بن زيد قال « سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : من أخذ